الحذر لا يمنع القدر، ولكنه قد يؤجله في أوقات كثيرة. أو يغيره بقدر أخر
ألطف وأقل معاناة.
أنت تعلم جيداً أن التدخين بشراهة أمر له عواقبه الكبيرة، خاصة مع إدمانك
القهوة، والغضب كل يوم طول اليوم من تصرفات البشر. لم يتغير البشر، ولم تصبح
المدينة فاضلة بعد الغضب، ولكنك أصبت بجلطة في المخ.
أمر عادي، ليس الأول من نوعه، يحدث للكثيرين، ولكن ألم يكن من الأفضل أن
تتفادى العادات السيئة طويلة الأمد، تلك التي لا يعوضها أي رياضة أو مصيف أو
أجازات تحول بينك وبين الأمراض؟!
أحقاً يجب أن تكون الدنيا بتلك الجدية؟
عند سن المعاش كانت الأمور تتوالى من مرض إلى أخر، بجانب الضغط والسكر
ومشاكل القلب، ظهرت جلطة تلو الأخرى، والثالثة بالمخ، مع عدم القدرة على الوقوف أو
المشي مجدداً، بجانب مشاكل الأعصاب.
وحينها كان السرير لا يمكن مغادرته إلا بكرسي متحرك، والخروج من البيت لا
يحدث إلا بحساب أو بسيارة إسعاف.
كان المعاناة في نزول السلم الضيق بالكرسي، وبالطبع هي كمعظم المساكن، لا يوجد
بها أسانسير.
ولكننا لم نعتاد الأسانسير على أي حال، ولا تكييف، ولا سيارة، كمعظم الناس.
يأتي الممرض بشكل يومي في زيارته المنزلية لفعل ماهو مطلوب لمثل تلك
الحالات، من متابعة يومية مع اتخاذ القرارات السريعة في علاج شيء طارئ خاص بمشاكل
عدم الحركة، وبعض العلاج الطبيعي، وأحياناً كثيرة يساعد في كلمة طيبة تعطي الأمل
أو تغير من المزاج السيء.
خاصة عندما يقول أن حالتك زي الفل، وأن الأمر ليس بالكارثي، ويحدث للجميع.
وبمرور الوقت تستقر الحالة حتى يحدث شيء يعكر صفو الاستمرار فنمتص الصدمة
حتى تمر الأزمة وينسينا الوقت تدريجياً ما حدث.
ومع الوقت تكتشف
أن الممرض نفسه له مشاكله التي لابد من علاجها، فبعض الممرضين يتعاملون كأنهم
دكاترة على الفور، بما أنه الشخص الأكثر خبرة في المجال الطبي، فيسارع في اقتراح
بعض الأدوية التي في كثير من الأحيان حين كانت تأتي فرصة لاستشارة طبيب نكتشف أن
هناك بدائل أكثر هدوءاً وفاعلية ومناسبة أكثر للحالة التي تخطت الستين عام.
ولكن بحكم الخبرة
القليلة التي علمتني أن أحياناً قد يكون البديل اسوأ، وأن طالما في مقدرتنا تجاهل
بعض استشارت الممرض فلا بأس من استمراره، خاصة ان كانت له ميزة الاستمرارية،
ومحاولة تقديم أفضل خدمة، التي أحياناً تصيب وأحياناً تخطئ.
وبمرور الوقت كانت
الاستراتيجية ناجحة، حتى حين قرر أن يأخد أجازة من وقت لأخر كان يوجد زميل له
يساعد كثيراً، لا يقل جودة عنه. كل بطريقته الخاصة.
حتى أنه اقترح أن
نأتي بمرتبة هوائية خاصة بالحالات التي لا تتحرك مثل حالة والدي، ولكنه عرض واحدة
مستعملة بالغة الغلو، ويجب أن تظل في الكهرباء 24 ساعة في اليوم، فظننت أنه منتج
فاخر ليس للجميع فقررت تجاهل نصيحتة، مع وجود مشكلة في فواتير الكهرباء في ذلك
الوقت أجلت الفكرة.
وفي هدوء الروتين
اليومي للزيارات المنزلية اليومية للمرض، يوماً ما اكتشفنا قرحة مخبأة في كعب
الرجل، لم تكن واضحة، مع كثرة الضغط، وتبديل الممرضين، وأحياناً عدم اهتمام
بالتفاصيل منا جميعاً، وبرغم الحذر، الأمر تفاقم، ومع الاستشارات، والتخوفات، لم
يكن هناك مفر من الذهاب إلى المستشفى، فالإنتظار لمدة أيام ومحاولة مداواة القرحة
لم ينجح، خاصة وأن الألم كان قوياً مع أي لمسة أو حركة في تلك المنطقة.
***
اتصلت بسيارة
اسعاف في السابعة صباحاً قبل اشتداد الزحام والشمس، وانتظرتها عشرين دقيقة بعد
مكالمة وضحت بها جميع التفاصيل، وحين وصلت السيارة، نزل السائق بكل بطء وتكاسل كاللذي
بدأ يوم عمل جديد للتو قبل أن يفطر ويشرب الشاي، وبدأ يسألني جميع الأسئلة التي
جاوبت عليها في المكالمة.
بل وزاد الأمر
وبدأ يسأل أسئلة تخصصية يعلم الله وحده والطبيب الذي سنراه إجاباتها، فقلت له هو
اشتباه في قدم سكري، وحينها أعطاني رد فعل أنني أرى أيام سودة، فسألته إن كان لا
يريد أن يذهب إلى الطوارئ، فقال لي ما معناه أنه "ايه اللي انت بتقوله
دا"، فنادى على زميله وأحضروا الكرسي المخصص الذي هو الأمر الوحيد الجيد
والمريح في تلك التوصيلة لما له من تجهيزات تجعله يفرد وينثني، وذهبنا للأعلي
لاحضار والدي الذي هو على علم بخطتنا قبلها بيومين وفي تصرفاته صبر شديد وهدوء
واستسلام للأقدار.
كانت الطوارئ في
ذلك اليوم في المستشفى الجديدة، وليست التابعة للجامعة، وكان اختيار اليوم مناسباً
لمحاولة تقليل العشوائية.
والحق يقال كانت
شديدة النظافة والنظام في الثامنة صباحاً وحين وصلنا غرفة الطوارئ كنا أول الزوار،
فاخترنا سرير في ركن الغرفة الكبيرة، مع وجود ستارة حاجبة عن أي حالات قد تأتي
بجانبنا، وبجانب شباك مغلق نظراً لوجود تكييف.
وبما أنها لم تكن
الزيارة الأولى للمستشفى، كنت قد أحضرت معي بطانية في حالة استخدامها وأشياء أخرى
تؤكل وتشرب، لأننا سنقضي اليوم كله غالباً، وهو ما حدث.
وتوالت الحالات
حالة بعد أخرى دائماً ما تلفت الانتباه نظراً للتنوع، وأوقات كثيرة تفاجئنا تفاصيل
عبثية تهون الوقت.
وبعد مرور ساعات
من الانتظار، في البداية أتى الطبيب، ثم بعد ساعات جاء تصور لما قد يحدث، ثم الذهاب
لعمل بعض التحاليل المطلوبة، وقياس السكر والضغط، وأشعة ايكو للقلب، وغيرها.
ثم يتضح الأمر
أكثر فأكثر ويأتي ما كنا نتخوف منه وهو أن البتر لابد أن يحدث، والسؤال هو من فوق
الركبة أم تحت الركبة، وإجابة السؤال معتمدة على مدى انتشار العدوى التي نتجت عن
القرحة.
كانت كل
الاختيارات صعبة، ولابد أن يتم اتخاذ قرار مناسب للتعامل مع الأمر بدول تعرض
الحالة للخطر.
ولكن مجرد وجودنا
في المستشفى هو بحد ذاته مطمئن، أقل اهتمام يساعد في علاج الأزمة هو كافي ويفوق كل
ما نفعله من تلطيفات ومسكنات داخل المنزل.
وتم اتخاذ القرار،
بعد استشارة دكور التخدير، وبعد أن طلبوا مني أنه يجب أن أوقع على ورقة تقول أن
المستشفى غير مسئولة عن حدوث مضاعفات مستقبلية أو وفاة أو أو..وهو الأمر الذي
جعلني أضحك وأتوتر.
ولكني وقعت في
النهاية، لابد أنه إجراء قانوني روتيني فحسب.
وتمت العملية
بتخدير نصفي وليس كلي، لضعف القلب، وتمت بنجاح، وكان الاتفاق هو نقله للعناية
المركزة ليوم اواثنين، ولكن الغريب أنه تم نقله لغرفة عادية بها ثلاث سراير، وحين
أتت الدكتورة لمتابعة الحالة في مساء نفس اليوم كنت غاضباً من عدم نقله للعناية،
وقالت لي أنه في حالة لا تستدعي، ثم بدأت أن تعطيني بعض الأمور التي يجب عليها أن
أفعلها حتى لا يتلوث الجرح، فسألتها أليس من الأفضل عمل كل هذه الأمور في العناية
من جانب ممرضين مدربين بدلاً من الاعتماد علي، ولا أتذكر ما كام ردها على ذلك
السؤال، لابد أنها قالت لي من الممكن طلب المساعدة من أي العمال في الدور لتحريك
الحالة أو فعل هذا أو ذاك إن أردت. ولكن بشكل عام مر الأمر بسلام، وربما كان
التخدير النصفي من أسباب عدم زيادة التوتر نظراً أنني تحدثت مع والدي بعد العملية
مباشرة وكان واعياً بشكل كافي، قبل أن يبدأ أسبوع راحة في تلك الغرفة الهادئة لمدة
أسبوع، قبل أن يتم اقرار الخروج من المستشفى.
***
عند انتهاء
العملية، كنت في الإنتظار أنا وأخي، فطلب منا الدكتور أن يذهب أحد مع أبي إلى
الغرفة ويأتي أخر لإستلام الساق.
فقررت بما أني
الأخ الكبير أنني سأستلم الساق.
وحين ذهبت مع
الدكتور إلى المكتب طلب مني أن أوقع أنني استلمت الساق، فسألته لماذا سأستلمها؟
قال لي يجب أن
أستلمها، فسألته ألا يوجد إجراء تابع للمستشفى بالتصرف في تلك الأمور؟
قال لي أنه لا
يوجد، فسألته ماذا سأفعل بتلك الساق؟ قال لي أنني يجب أن أدفنها.
أين سأدفنها؟
اقتراح أن أدفنها
في أي مكان هو أمر غير مطروح بالنسبة لي، فلا يوجد مكان يسمى أي مكان، وحين سألت
يقولون أي حديقة، أو أي مكان.
بالطبع لا، فهي
ليست أي ساق، كما ماذا إن رأني أحد أدفنها؟ الأمر كله لا يحتمل.
في انتظار الساق
وتصريح الدفن، طلبت من الدكتور أنه "ياريت لو تلفوها كويس بأي حاجة عشان
ممشيش بيها كدا"، وابتسم الدكتور في رد فعل غريب وقال انه "أكيد
يعني". وبالفعل كانت لفة مكونة من اربع او خمس اكياس تحيطهم لصق يمنع أي شيء
من الحدوث.
أمور دارت في ذهني
و لكنني كنت أعلم أن عمتي وزوجها في طريقهم لزيارة أبي في ذلك الوقت ففكرت أنني قد
أطلب منهم أن يوصلونني إلى مقابر العائلة خارج المدينة قبل أن تغرب الشمس.
اتصلت بعمتي
وأعلمتها بالأمر وحين وصلوا خارج المستشفى اتصلوا بي وذهبت لملاقاتهم والساق في
يدي. كنت ذاهب إليهم وهم واقفون "متخشبين" عند رؤيتهم لي أبتسم وأرحب
بهم لأنهم قادمين من مدينة أخرى، والساق في يدي.
نجحنا في الوصول
للمقابر قبل الغروب، وكان حارس المقبرة موجود لفتح العين، ولكننا حين وصلنا وجدنا
أن الباب الحديدي للمقبرة غير موجود، في معظم المقابر، فقال لنا الحارس أن
الحرامية يسرقون الحديد ويبيعونه. ومحاولات إيقافهم لم تنفع. دائماً ما يهربون.
ولكن برغم كل شيء،
تمت الأمور بتوفيق من الله، ورجعنا إلى المستشفى قبل العشاء.
تمت الاستعانة
بممرض منزلي جديد لمدة شهرين بعد العملية في التغيير على الجرح، مع متابعة اسبوعية
لدكتور، وأحضرنا مرتبة هوائية جيدة وفعالة تمنع حدوث أي قرح، مع ملاحظة أن الأمور
تمشي بشكل جيد الحمدلله، وبعد فك الخياطة كان الأمر طبيعي تماماً في حدود الحالة.
تلك الساق كان بها
الكثير من المشاكل التي تحتاج إلى الكثير من العلاج الطبيعي المكثف، وكان بها مشاكل
في المفاصل تمنعها من أن تنفرد تماماً حتى يصل لها الدم بشكل جيد، بل انها كانت
تميل إلى الجانب الأخر لتعوق الكثير من الأمور. وكانت لا تستخدم على أي حال بسبب
الجلطة التي أثرت على المشي والوقوف.
لذا الحمدلله على
كل شيء.
وسبحان من له
الدوام.
.png)