قصص من الدرج: دش ساقع

 


يبدأ اليوم بمحاولة لحاق المكروباص الوحيد الذي يخرج من البلدة بعد الفجر مباشرة، حتى يعقبه محاولة لحاق عربة أخرى للوصول الساعة السابعة إلى مكان تجمع العمال.

لذا أنام غالباً بملابس العمل قبل النوم، حين أفتح عيناي أذهب مباشرة إلى الحذاء، حتى لا يضيع اليوم واليومية. وحين ألحق بالمكروباص الأول ابدأ في محاولة إيقاظ عقلي ومسح عيني خفيفاً من أثار النوم.

في ذلك الوقت يبدو كل شيء جاف. الريق جاف والمخ نصف نائم والمعدة فارغة، ولكن ما يساعد إيقاظي هو التعاريج والحفر والنقر التي يمتلئ بها الطريق، فمع كل نقرة على الطريق تهتز العربة، وكأنها تساعدنا في تنشيط بعض الخلايا داخل المخ، ومع الوصول يصبح النوم بعيداً، ويبدأ اليوم الطويل.

الأمر يشبه الصيام في بادئ الأمر، معدة فارغة، وطاقة قليلة، ولكن لا مجال للتقاعس. بوجود رئيس العمال والمشرفين والمهندسين والمقاولين و و..من الأفضل ألا يراك أحداً متقاعساً.

فيبدأ عمل شاق حتى صلاة الظهر، التي هي بمثابة النجاة، الراحة المؤقتة التي يوجد بها ماء وبعض الطعام والصلاة، ويمر الصباح بطيئاً حتى تلك اللحظة السحرية، وكم تمنيت إطالة الوقت بين الأذان والإقامة، تمنيت لو لم يحضر المؤذن في كثير من الأحيان، ففي أي زاوية قريبة دائماً ما يصبح الظل داخلها رطب على عكس شمس بلادنا في مواقع العمل.

وذلك الظل الرطب داخل المسجد يصبح من الصعب مقاومته، فأذهب للوضوء ثم أستريح، وأتمنى أن أظل كذلك ساعات طوال، ولكن تأتي الإقامة، وتأتيني فكرة غريبة بعدم القيام للصلاة وأن أستمر في غلق عيني، ولكني أهم بالقيام مبعداً تلك الفكرة الشيطانية عن عقلي، فنصلي صلاة ثقيلة متعبة ولكنها منعشة ومرضية.

وعندما نخرج من الصلاة يبدو علينا الكسل قليلاً من تلك الراحة المنعشة، ولكنها سرعان ما تنتهي بالغوص في عمل جديد مكثف بين الظهر والعصر، فننغمس في العمل الذي يصبح أكثر ازدحاماً بوصول رؤساء المشاريع وغيرهم ممن غير الضروري وجودهم في الصباح، ويصبح العمل شاقاً تحت الشمس المباشرة، ولكن الوقت يصبح أسرع قليلاً بشكل ما بين الظهر والعصر، ربما بسبب استراحة الشاي المسموحة الساعة الثانية.

وحين يأتي العصر، يكون قد مر ثلثي اليوم، ونشعر بانفراجة صلاة العصر، التي تنبئ عن انتهاء معظم العمل، وانتهاء معظم الطاقة داخل الجسم أيضاً، ويبقى الصعب فيما بعد العصر هو الانتظار حتى تغرب الشمس أو تأتي الساعة السادسة، وأحياناً الخامسة ونصف، فيلحق بالعربات العائدة إلى المدينة، ثم إلى البلدة الصغيرة بجانب المدينة.

وعند الوصول يحدث شيء سحري حين أصل البيت المتواضع، وأدخل الحمام وأقف تحت المياه الباردة. أشعر أن كل نقطة مياة باردة تحييني من جديد، توقظ خلايا جسمي كله، تغسل روحي وعقلي ويومي..وأشعر بالسعادة البالغة في تلك اللحظة، كل التعب ينتهي ويصبح في طي النسيان. لا أتذكر ما حدث في ذلك اليوم ولا أتذكر أي صعوبات. أقف تحت المياة لمدة عشرة دقائق فأجدني أضحك وأشعر بصفاء ورضا، فأشكر الله داخل عقلي على النعمة. ويتبقى لي ساعة من اليوم لأكل شيء ما حتى يغلبني النعاس، فأنام حتى لا يضيع اليوم التالي.

وتمر الأيام، كما ينبغي لها. وتتغير الأحوال والمصائر، فيرفع الله بعضنا درجات وتتغير النفوس، وتأتي الفرصة في بعض الأحيان، وتتغير الأماكن والظروف، ويتحول الطريق المليء بالنقر والحفر إلى طريق مستقيم ناعم، والسكن في البلدة البعيدة يتحول إلى شقة داخل المدينة، والعمل اليدوي الشاق تحت الشمس يتحول إلى عمل مستقر داخل شركة من شركات المقاولات.

ومع الراحة النسبية يأتي الاسترخاء، ومع الضمانات تأتي السعادة، ومع التعود على السعادة تقل قيمتها وتأثيرها، فأجدني لا أشعر أبداً بتلك اللحظة السحرية التي كنت أشعر بها في أيامي البسيطة الأولى، ويمتلكني الغيظ أحياناً بعدم الشعور بأي شيء مطلقاً، لا شيء يسعدني، لقد تعودت على وجود الراحة والماء والطعام وقتما أريد. فأحاول وضع بعض العقبات المصطنعة حتى أشعر بذلك الشعور السحري القديم فيصبح مفعولة ضعيف. أذهب إلى صالة الجيم وأحاول الانغماس في التعب، فتأتي النتيجة بسيطة مقارنة بالشعور الأول الذي يصعب وصفه.

وتمر الأيام وأتبدل بما يحدث حولي من جيد وسيء، وأقابل فرصاً جديدة ككل البشر، بعض منها كان يجب علي تجاهله، فاقتناص بعض الفرص المسمومة يصبح كالفخ في كثير من الأحوال، لما له من تبعات ونتائج غير محمودة، فتتغير الأماكن مجدداً، ولو بشكل مؤقت، فأجدني داخل موقف لا أحسد عليه، حينما باغتني الشيطان بفرصة وقبلتها، غير عابئ بالقانون، مبرراً ذلك بأن الجميع يفعل ذلك في هذه المدينة، ولكني من غير المحظوظين الذين تم الابلاغ عنهم، وأتي الندم بعد فوات الأوان، داخل جدران بها شباك حديدي.

نظام مختلف ولكنه ضروري لإصلاح بعض النفوس، فأنغمس في روتين يومي متعب مجدداً، فقررت أن أستغل حرفتي داخل المنظومة الجديدة بالعمل من أجل تحقيق بعد الامتيازات البسيطة، ومن أجل أن يمر يومي داخل السجن بشكل أسرع وغير ممل، ومن أجل أن أشعر مجدداً بتلك المياة الباردة تطهرني في نهاية اليوم المتعب.


 

Post a Comment

Previous Post Next Post