بدى الأمر غير
معقولاً في بادئ الأمر. ولما لا؟ فكيف أن تعطل الدماغ عن التفكير في شيء ما؟!
حتى الأدمغة
الفارغة تفكر في شيء ما، لذلك حين جلست أول مرة، وأغمضت عيني، لم يحدث شيئاً.
كلما حاولت ألا
أفكر في شيء ما، أفكر في الكثير من الأشياء، وكلما حاولت طرد تلك الأفكار قاومتني
وتغلبت علي.
حتى تعلمت أن
أتركها تأتي وتذهب كما تشاء، فقط ألاحظهم يمرون هنا وهناك، لا أقاومهم، فقط
أتجاهلهم وأركز في التدريب، في التنفس، شهيق وزفير.
وفي لحظة ما تأتي
بعد الدقيقة السابعة، العاشرة، الخامسة عشر، لا أعلم تحديداً بدأ الهدوء يعم،
وضربات القلب تتباطأ، الضجيج يتلاشى، أشعر بأني نصف نائم ونصف يراقبني من الخارج.
وبمرور الوقت أسمع
ارتطام الأمواج في الصخور، مع صوت خرير الماء واصوات الشلالات الهادئة، مع بعض
أصوات الطيور تغني في تناغم وسعادة.
نسمة هواء خفيفة
تنعش خلايا الدماغ الساكنة، وخلايا أخرى تستيقظ وتنشط.
أبتعد رويداً للأعلى،
فأرى المحيط من الأعلى، والجزر هنا وهناك، ثم أبتعد فأرى السحب تحتي، ثم الكرة
الأرضية الزرقاء ساكنة هادئة.
أبتعد وأبتعد
فتظهر الكواكب والنجوم، ثم المجرات والعوالم اللانهائية.
لا أعلم كم مر من
الوقت، ولكني جزء من العالم الأن، لا أريد أن أتركه أبداً. فهذا هو النعيم.
ولكن لكل بداية
نهاية، فيملكني الفضول لمعرفة كم من الوقت مضى، فأفتح عيني ببطء.
وأشعر بلذة
اللاشيء تغمرني، شعور سحري كامل. يتلاشى رويداً بالإحتكاك مع الأشياء والبشر وطرق
الباب، ومحصل شركة الغاز الذي يريد قراءة العداد.
كم تبدو الزيادة
في فاتورة الغاز ضئيلة مقارنة بحجم الكون الشاسع. تلك الفكرة تطمئنني دائماً.
.png)