قصص من الدرج: فنانة قديرة

 

كان ما يحدث أمام الجمهور والأصدقاء شيء، وعندما تنفرد بنفسها شيء أخر.

كانت الفنانة من الجميلات في شبابها، مما كان كافياً لجذب النجاح والأدوار والاهتمام.

لم تكن أدواراً استثنائية، ولكنها كانت كافية لضمان استمرارها داخل المجال الفني، خاصة مع العلاقات الجيدة مع بعض الأسماء المعروفة في ذلك الوقت.

وربما كانت فترة ركود في الصناعة على كل حال، مما جعلها تستمر فترة أطول مقارنة بحجم موهبتها.

وبمرور الوقت، تغيرت الأذواق، وتغيرت الصناعة، ولكنها ظلت متمسكة بالشكل القديم.

حين كانت ترى أي تجاعيد جديدة كانت تصاب بهلع مبالغ به، فتهرع إلى الأصدقاء للمشورة ثم تذهب لدكتور تلو الأخر للاستشارة، مع تجربة الأدوية، وبعض الوصفات الشعبية.

كانت تصدق أنها ستنتهي تماما إذا فقدت شبابها، وكانت ترفض أي دور يوحي من قريب أو بعيد بأنها أم أو خالة أو عمة.

ومع انتشار الإعلانات، كانت تتشبث بكل ما هو سحري وجديد في عالم التجميل، بأي ثمن.

تمر السنين، والعالم يتغير، وعزلتها مستمرة بعدما فقد كل جيلها مكانتهم عند الجمهور.

بل أن الجمهور نفسه لم يصبح كما كان.

الأوقات العصيبة في تاريخ البلاد تحتم على بعض الصناعات تغيير جلدها، وتغيير الأفكار، وحين ينصلح الحال يكون الزمن غير الزمن، والأبطال غير الأبطال.

ولكنها، بحكم العادة، لم تتصالح قط مع الزمن. ظلت تدافع عن الشباب بكل الطرق الغير طبيعية، من شد للوجه كل كذا سنة، وحقن ذلك المكان، ونفخ مكان أخر..

كانت تأمل أن تجد ذلك الشيء السحري الذي يعيدها للمجتمع مجدداً، ويخرجها من عزلتها الاختيارية، ولكن طال الأمد، وأصبح الخروج بحساب، في تخفي كامل.

وعند النهاية، كأي نهاية، تنتهي الحكاية بالاستسلام للقدر، وتعرف أن الحياة مرت سريعا، بل ضاع معظمها في أمور لا قيمة لها.

وشعرت بالراحة قليلاً قبل الموت حين قررت الخروج وسط الناس، ولم يتعرف عليها أحد.

لم يهتم أحد.

كان في ذلك شعور بالحرية أنها شخص مجهول لا أحد يهتم من هي.

ومع ذلك كانت صدمتها الأخيرة حين رأت بعض المصورين باغتوها بصورة تلو أخرى، مع نشرها على صفحات التواصل، مع عناوين تصف شكلها بالمسخ، مقارنة بشكلها القديم.

Post a Comment

Previous Post Next Post