بعد عقود من السكن
في أكثر مناطق القاهرة اكتظاظاً بالسكان، واعتياد الحياة الصاخبة الضيقة.
ففي شارعنا لا يوجد
ما يسمى بالخصوصية الكاملة، كل منا يشارك الأخر أخباره وأفراحه وأحزانه بدون
استئذان. وهو ما كان بالتأكيد أمن وأمان لنا جميعاً، ودفء لا يضاهيه شيء، وأجواء
رمضانية استثنائية، وأعياد لا توجد بهجتها في أي مكان أخر.
بعد عقود من
الحياة في شارعنا التي ورثناها عن ممن سبقونا، وحفرت ذكرياتهم كل شبر، في الحروب
والسلام، والزلازل والسيول، والمقاهي والمباريات.
بعد عقود ولأول
مرة، أجد تلك الفرصة التي لا تأتي مرتين لمن هم يعيشون في ذلك الشارع.
فرصة سفر جيدة
تابعة للعمل، صدفة كبيرة حدثت هنا وهناك انتهت بإختياري للذهاب إلى بلد لم أسمه
اسمها من قبل.
صدفة جعلت رؤسائي
بالعمل يعدونني بالكثير من الحوافز إذا وافقت، بالطبع أوافق، ولكن..
لطالما فكرت أن
شارعنا هو العالم بأسره. شعور مستمر منذ مولدي أنه لا يوجد الكثير خارج منطقتي.
ودعت عائلتي لتلك
السفرية المباغتة، سأراهم قريباً بالتأكيد، سأعود بعد انتهاء المأمورية المستعجلة.
لم أفكر أنني
سأركب طائرة أبداً، لم أفكر أنني سأرى أي شيء من نقطة عالية كهذا الارتفاع.
دائماً ما كنا
البيادق التي تتجول في الشوارع، وحين نرى طائرة بالأعلى نظنها معجزة من السماء، لا
يصل إلى ركوبها إلا من هم ولدوا في عائلات اعتادت السفر.
حين نزلت من
الطائرة ووصلت إلى مقر إقامتي لم أعلم بالتحديد كم أبعد عن بيتي في القاهرة، ولكني
شعرت أنني بعيد للغاية، بعيد عن العالم الذي أعرفه ويعرفني.
لأول مرة أرى
شوارع بلا بشر، شعور موحش وغريب، أين الناس والزحام وأصوات شارعنا التي أعتادها.
ما هذا البلد
الصامت ذلك الصمت المزعج!
تبدو كبلد لا صاحب
لها، مهجورة تماماً..لمن بنيت تلك البلدة الصامتة؟ أبنوها للقطط والطيور؟!
لا أفهم!
بدت كمنطقة تستجدي
البشر أن يأتوا إليها، ولكن لا يوجد أحد..أبدو وحيداً في ذلك الشارع.
الشمس لم تطأ
المكان لأيام، بالرغم من الصيف، يبدو المكان كالخريف هنا، خريف بلا شمس. بلا بشر.
بلا أصوات.
تمر سيارة في هذا
الطريق كل ساعة، وأرى شخصاً يمشي كل ساعتين.
يبدو أن الجميع
هجروا ذلك المكان الموحش.
شعرت كأنني أملك
كل تلك المساحة الكبيرة من الطرق والحدائق والبيوت الكبيرة ذات الأدوار المنخفضة.
مرت بضعة أسابيع..
يقولون أن عملي
هنا قد انتهي، وتم تحديد موعد العودة.
أفرح لقرب الرجوع
إلى بلادي، وفي نفس الوقت أشعر بخوف كبير.
خوف من يعلم أنني
لن أرى مكان كهذا مجدداً. ذلك المكان الساحر الغريب.
وعند اقتراب
الطائرة إلى القاهرة أشعر بقبضة كبيرة في قلبي.
أنزل من الطائرة
وتبدأ الأصوات، يبدأ الشجار بين الجميع.
أغادر المطار
فأشعر بالخناق شيئاً فشيئاً.
يبدو الجميع
منفعلاً، غاضباً..أصل إلي منطقتي وتضيق الشوارع شيئاً فشيئاً حتى أصل إلى البيت.
أدخل فأجد عائلتي،
وبيتي. يبدو البيت أضيق مما كان.
يبدو كل شيء لا
يصدق، وبدأت أشعر بالخوف الشديد أن أبقى في هذا المكان فترة أطول.
منذ وصولي وأنا
صامت، يرونني تغيرت كثيراً وصفونني بالمجذوب، وأنا لا أستطيع أن أتوقف عن التفكير
في ذلك المكان البعيد.
.png)